الأستاذ داؤود مصطفى داؤود  .. قصة إنسان عاش رقيقاً كالنسمة ورحل شامخاً كالنخلة

0
1

عندليب الصحافة الرياضية في ذكراه الأولى

الأستاذ داؤود مصطفى داؤود  .. قصة إنسان عاش رقيقاً كالنسمة ورحل شامخاً كالنخلة

داؤود مصطفى والرحيل المر

كانت ابتسامته الوضيئة مدخلاً للناس الى قلبه الكبير الذي أرهقه بالحب والجهد والإخلاص

رحل داؤود دون أن تمهله الاقدار ليرى جنينه الذي تركه في بطن امه وكان فرحا به يكاد يطير

كان الراحل نسمة هبت من وادي السحر والجمال والصدق والشفافية

كان صحفياً أصيلاً وهلالياً غيوراً

اعداد : المعتصم اوشي

مرت بنا يوم أمس الثلاثاء الموافق 9 اغسطس 2016م الذكرى الأولى لرحيل زميلنا الغالي الاستاذ داؤود مصطفى داؤود الذي انتقل الى رحاب الله بعد معاناة مع الالم مساء الاحد الموافق التاسع من اغسطس 2015م ووري جسده ثرى مقابر الصحافة عليه الرحمة وله المغفرة وجنات الخلد سكنا ومستقرا .. انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله.

وكان الرجل العزيز يعاني خلال ايامه الاخيرة من ضعف في عضلة القلب عجلت برحيله عن دنيانا الفانية فلطالما وسع قلبه الابيض جميع من التقاهم في حياته، وكانت ابتسامته الوضيئة مدخلا للناس الى قلبه الكبير الذي ارهقه بالجهد والاخلاص والحب فلم يستطع الصمود اكثر فتوقف عن النبض والخفقان مساء ذلك اليوم الحزين الاحد 9 اغسطس 2015 تاركا للجميع البكاء والنحيب والالم الدفين، ولوعة الذكرى واجترار مرارات الاسى والانين.

رحل داؤود دون ان تمهله الاقدار ليرى جنينه الذي تركه في بطن امه وكان فرحا به يكاد يطير، يحدث الجميع عن حلمه القادم والذي اوشك ان يتحقق برؤية باكورة انتاجه فرحل عن دنيانا دون وداع ودون ان تكتحل عيناه بابنه الغالي الذي اتى بعد رحيله يحمل ملامح والده البريئة وبسمته المميزة روعة وصدقا وجمالا.

لقد كان داؤود نسمة هبت من وادي السحر والجمال والصدق والشفافية تمنح نفس كل من يلتقيه الراحة والهدوء والسكينة والانجذاب اليه في زمن تغمره رياح اللامبالاة وسموم الجفوة والركض خلف المصالح الذاتية واذيال المستحيل.

كان انسانا طيب المعشر صادق الاحسايس ملاكا يمشي على قدمين.. كان يمشي بين الناس بالبساطة والتواضع الجم والادب والاخلاق الفاضلة لا تفارقه الابتسامة حتى ولو كان في حالة الم او حزن كان يداري دموع في لحظات الالم، وكان يكتم بصدره قسوة المواقف وفداحة الامور ويحيلها لابتسامة وصدق تعامل فلا يشعرك ابدا بمعاناته او الامه كان موهوبا مشبعا برهافة الاحساس، فكان يطرب للفن الاصيل والغناء الجاد الجميل وكان هلاليا دون تعصب محبا للهلال محترما للمريخ، وكانت علاقاته واسعة تقوم على القيم النبيلة والاخلاق الفاضلة والصدق في التعامل مع الجميع.

كان صحفيا ناجحا يكتب في الرياضة والفن والسياسة والادب مثقفا ومبدعا في شتى المجالات بلا حدود.. كان داؤود نسيج وحده له اسلوبه المميز وتعابيره الانيقة وحروفه الوضيئة التي تعكس الحقيقة المجردة بلا رتوش.

السيرة الذاتية

الاسم: داؤود مصطفى داؤود الامام

الميلاد: 1958 الخرطوم عشش فلاتة (النزهة حاليا)

الاشقاء: احمد، عثمان، ابراهيم وعبد القادر

الشقيقات: عائشة، كلتوم، خديجة

المراحل الدراسية

درس المرحلتين الابتدائية والوسطى بمدارس كمبوني بالخرطوم.

المرحلة الثانوية العليا بمعهد صلاح (مدرسة النيل حاليا).

معهد الكليات التكنولوجية كلية الفنون – تصميم ايضاحي.

السكن

حي الانقاذ- مربع 2

الحالة الاجتماعية

متزوج من الاستاذة صافية يوسف جلال في 28 فبراير 2014م ورزقه الله بابن بعد وفاته سمته الاسرة (مسعود) وفاءً لوصية والده داؤود التي اوصى بها زوجه.

مشواره في بلاط صاحبة الجلالة

منذ صغره كان داؤود شغوفا بالقراءة والاطلاع وكان يجمع الكتب الهادفة ويسعى لاقتناء النفيس منها فكون لنفسه مكتبة خاصة منذ بواكير حياته ساعده ذلك في عمله في فترة العطلات المدرسية في مكتبه بالامتداد على شارع الصحافة ظلط، لذلك كان يقرأ الصحف الصادرة بنهم ويقرأ الكتب التي كانت تعرض بالمكتبة ويقتني منها ما يعجبه ويروق له وكان ميالا لكتب الفن والادب والروايات بجانب اهتماماته بالرياضة منذ وقت مبكر، فمال قلبه للازرق الدفاق وكان محبا عاشقا للهلال حتى النخاع، ولم يكن تطرفا في تشجيعه للهلال ورغم حبه لسيد البلد كان يحترم الند الاخر فريق المريخ وسخر قلمه الرياضي فيما بعد لقول الحق والبعد عن التهاتر والتشنج الرياضي.

كان يرسل بعض المقالات الادبية والرياضية لمجلتي الاذاعة والتلفزيون والشباب والرياضة وصحيفة نجوم وكواكب خلال حقبة السبعينيات مطلع الثمانينات وكان يجمع تلك القصاصات التي تنشر له ثم بدأ في مراسلة صحيفة الصحافة مساهما ببعض الاراء الرياضية بعد المرحلة الثانوية بمدرسة كمبوني- الاتحاد تم قبوله بمعهد الكليات التكنولوجية (المعهد الفني) بقسم التصميم الايضاحي بكلية الفنون الجميلة، حيث كان يهوى الخط العربي والتصميم والرسم وبعد تخرجه دخل مجال الصحافة مصمما بصحيفة الكابتن مقدما لمساته الفنية الساحرة وتنقل بعدها من صحيفة الكابتن الى الهدف، مونديال، عالم النجوم، نجوم الرياضة، حبيب البلد وقوون.

وانتقل من التصميم الى التحرير متدرجا حتى منصب رئيس التحرير ليصبح احد ابرز نجوم الصحافة الرياضية الافذاذ.

وكان الراحل كاتب عمود محترم صادق سلس التعبير ومن اشهر اعمدته بالفاكسيملي بصحيفة الهدف وفاكس عاجل ثم ثرثرة على ضفاف المزاج بحبيب البلد، واخيرا على ضفاف المزاج بصحيفة قوون.

كوكب الشرق والعندليب الاسمر

كان يحب الاستماع لسيدة الغناء العربي كوكب الشرق ام كلثوم ويقتني اغنياتها وكان عاشقا محبا للراحل زيدان ابراهيم العندليب الاسمر وملازما له موثقا لمراحل حياته المختلفة وبعد رحيله بالقاهرة حزن عليه حزنا شديدا، وكتب عشر صفحات بصحيفة حبيب البلد تحكي تاريخ العندليب زيدان ابراهيم ومشوار حياته الفني وذكرياته، وظل مواظبا على ليالي تابين العندليب الاسمر في ذكراه سنويا.

وكان محبا للافلام الهندية وكنت في بعثة دراسية بالهند فاوصاني ان احضر له من الهند تلك الافلام الهندية الخالدة (جانوار- تسري منزل- من اجل ابنائي) فاوفيت بما طلبه مني وكان سعيدا بها وكان يستمع ويشاركني الاستماع لذلك الجيل الرائع من المبدعين وردي، عثمان حسين، حسن عطية، التاج مصطفى، حسن سليمان الهاوي، خليل اسماعيل وغيرهم من فناني الخمسينات والستينيات بجانب فنانه المفضل العندليب الاسمر زيدان ابراهيم.

زواج داؤود

قرر اخيرا توديع دنيا العزوبية ودخول القفص الذهبي فبدأت افراحه وسط قبيلة الصحفيين بدار اتحاد الصحفيين بالمقرن مساء الثلاثاء 10 ديسمبر 2013 واكتملت افراحه مساء 28 فبراير 2014م على الاستاذة صافية يوسف والتي رزق منها بابنه الوحيد (مسعود) والذي لم يره رغم فرحته بقرب قدومه واطلق مسعود داؤود صرخته الاولى بمستشفى امبريال في 13 فبراير 2016م، وكان الراحل قد اوصى زوجته بان يسمى المولود مسعود اذا جاء ذكرا وفاءً وتقديرا لصديقه الوفي الاستاذ الكبير والهلالي القُح عبد الله مسعود.

الرحيل المر

في اواخر ايامه عانى الراحل من الألم في معدته وكتفه الايسر فقصد الاطباء شاكيا ومستشفيا واظهرت الفحوصات الطبية اصابته بضعف في عضلة القلب، وكان لا ينام من الآلام ولا يستقر الاكل بمعدته ويوم وفاته جاء الى صحيفة قوون بعد غيبة ويحكي الاستاذ احمد الحاج مكي قصة اخر لقاء مع صاحب القلب الابيض فيقول:

كان لقائي الاخير بالاستاذ داؤود مصطفى قبل عشر دقائق من صلاة المغرب مساء التاسع من اغسطس 2015م اي يوم رحيله، ومن خلال شكله العام لمحت بأنه ليس على ما يرام فقد كانت عادته النشاط والحيوية، فسألته ما بك يا داؤود فقال لي: "قلبي تاعبني وعندي موعد مع الطبيب بعد صلاة المغرب اليوم" وجاء الزميل خالد ابو شيبة ليخبره بالحجز له عند الطبيب طالبا بطاقته القومية وفيما بعد عرفت ان خالد طلب البطاقة ليس للحجز عند الطبيب انما لتكملة اجراءات سفر الراحل الى القاهرة ثم تحرك الاستاذ داؤود برفقة جاره الاستاذ محمد سليمان لمقابلة الطبيب بشارع الحوادث، وبعدها تحركوا نحو منزل الراحل بحي الانقاذ وقاما بشراء فواكه وبعد وصولهم دخل الراحل الى منزله مستندا على كتف صديقه محمد سليمان حتى اجلسه على السرير، وذهب لاحضار كيس الفاكهة من العربة الامجاد وبعد عودته وجد داؤود قد لفظ انفاسه الاخيرة وصعدت روحه للسماء.

الاستاذة صافية تحكي اللحظات الاخيرة للراحل

خرج الراحل زوجي العزيز لمقابلة الطبيب مع صديقه بالحي محمد سليمان وكان يعاني من ضعف بعضلة القلب وذهبا الى صحيفة قوون لتكسير الوقت الى حين قرب موعد مقابلة الطبيب بشارع الحوادث، وكان الراحل نمرة (6) في المقابلة وبعد مقابلة الطبيب الذي فحص عليه افاده ان حالته مستقرة ويجب عليه المحافظة لضعف عضلة القلب خوفا من تدهور نسبة عملها، وكنت متابعة بالجوال بعدها قام الراحل بشراء فاكهة ومناديل ورق وبعد وصوله المنزل قال لمحمد انا لا استطيع المشي فاستند على كتفه ودخلا المنزل ورقد داؤود على السرير ثم ذهب محمد لاحضار كيس الفاكهة، ولما عاد وجد داؤود في وضع غير طبيعي، حيث تشنج فجأة واخذ جسده  يهتز ويترج ثم سكن جسده واسلم الروح الى بارئها فذهبنا به الى المركز الصحي، حيث اكد الطبيب حدوث الوفاة وتم الدفن ليلا بمقابر الصحافة.

اللهم ارحم عبدك داؤود واغفر له واجعل البركة في ذريته واسرته بقدرما اعطى والهم اهله وذويه الصبر والسلوان وحسن العزاء وادخله فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا.. انا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله.

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY